يوسف المرعشلي

1066

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ولد بزملكا من قرى غوطة دمشق سنة 1270 ه ، وعمل مع والده بعض الأعمال الزراعية ، حضر مجالس علماء دمشق ، ثم اتصل بالشيخ عيسى الكردي فخدمه الخدمة الصادقة ، وكان تلامذة الشيخ عيسى يصلون عنده الفجر في منطقة الأكراد بسفح قاسيون يتسابقون في التبكير إليه ، فكان المترجم يحضر أولهم على الدوام حتى في الأيام الممطرة والمثلجة قادما من زملكا . حكى ذلك الشيخ أبو الخير الميداني زميله في الطلب على الشيخ عيسى أنه لم يكن يصل إلى مجلس الشيخ مريد قبله ، فحدث ذات مرة أن هطل ثلج كثيف قطع الطرقات ، وحدثته نفسه أنه سيسبق اليوم ويكون عند الشيخ قبل صاحب الترجمة ، ولكنه فوجىء به قبله . اختلى الشيخ محمد أمين عند شيخه أربعين يوما لم يأكل فيها إلا اليسير ، وكان ورده في الخلوة كل يوم أكثر من مئة ألف ، وكان محبوبا عند شيخه يشهد له شيخه بعقله وهمته ويشاوره ، ويعمل برأيه في أكثر الأحيان ، وصحبه في بعض أسفاره إلى الحج وإلى بيروت وغيرهما . خلف في الطريقة في حياة شيخه وبإذنه ولده الشيخ أحمد الزملكاني ، ولما مات شيخه قرأ الختم النقشبندي في قبة مولانا خالد ، وخلف أتباعا كثيرين . كانت له همة عالية في العبادة ، كثير الرياضة والمجاهدة والخلوات ، متمكن من الأحوال ، عظيم القدر ، عالي الشأن ، انقطع في بيته بزملكا أكثر من عشر سنين لم يكن يخرج فيها إلا لصلاة الجمعة . قال عن نفسه : « كنت أرى بعض الأحوال فأعرض على الشيخ فيقول لي : لا تغتر يا ولد بهذه الخيالات حتى لا يحصل العجب » . ويقول نقلا عن شيخه : « الذي لا يرى عندي أحسن من الذي يرى فإنه مكسور قلبه دائما ، والذي يرى يخاف عليه من العجب . العجب خرب بيوتا كثيرة » . ونقل عن شيخه أيضا : « كلما كانت أحوال المريد مستورة فهو أحسن خصوصا في هذا الزمان لأنه قل من يفهم هذه الأحوال أو يصدقها » . ونقل أيضا : « اجعل نفسك كالتراب حتى يطأك الخلق فتصير غبارا فتعلو على الرؤوس » . ومما نقله : « لا تعتمد على مجرد الإذن والإجازة فهذا من غير عمل لا ينفعكم ؛ فإن الإذن عادة جرت بين المشايخ ويغر بها كثيرون وتبرد همتهم ويتباهون بها بين المريدين ، وربما كان بعض المريدين أحسن حالا وأعرف من بعض الخلفاء ، ولكن المشايخ يجعلونها لسبب من الأسباب » . توفي سنة 1346 ه ، ودفن في مقبرة مولانا خالد . أمين كفتارو « * » ( 1294 - 1357 ه ) العالم الصوفي : محمد أمين كفتارو بن ملّا موسى ، النقشبندي ، الكردي ، الكرمي الدمشقي . ولد عام 1294 ه تقريبا ، قدم والده دمشق فنزل جامع أبي النور ، ولما فرغ من تحية المسجد وأراد الاضطجاع من تعب السفر ، وأراد أن يبسط رجليه إلى جهة لا يكون فيها شيخ من أشياخه ، أو قبر ولي عارف باللّه رقد رقدة خفيفة رأى خلالها أحد الأئمة يقول له : ابسط قدميك نحونا فالبساط أحمدي . . فهذا يدل على أدب والده . حفظ المترجم القرآن الكريم شابا في أربعة أشهر مع رفيق له في الطلب ، ثم أقبل على إتقان اللغة والفقه والحديث والتجويد وعلوم الآلة حتى برع فيها ، وشهد له شيوخه ورفاقه . لزم الشيخ عيسى الكردي ، وخدمه الخدمة الصادقة ، وشغل قلبه بذكر اللّه ، فأثنى عليه شيخه ، وأجازه بالطريقة النقشبندية في 14 ربيع الأول سنة 1330 ه ، وقرأ عليه الفقه الشافعي . ولما توفي الشيخ عيسى جلس المترجم إلى خليفته من بعده ، فلما انتقل خليفته إلى جوار ربه أخذ بالإرشاد . عرف عنه عنايته بالفقه المقارن ، وكان يدرّس كتاب

--> ( * ) « المرشد المجدد » لمحمد بشير الباني ، ومقالة مجلة التمدن الإسلامي السنة الخامسة العددان الخامس والسادس ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 1 / 515 .